عيد النوروز
جميع المجتمعات البشرية لها أيام تعرف بأيام العيد، تتخذها الشعوب وسيلة للسعادة وتجديد العلاقات الاجتماعية ، والعلاقة مع الكون والطبيعة، حيث تغتنم الفرصة سواء في الحرب أو السلم، الجوع أو الشبع، الفقر أو الغنى، لتغيير أوضاعهم وتحسين أحوالهم. إن المسيحيين على سبيل المثال، يتخذون من يوم ميلاد السيد المسيح عيداً لهم، كما يعتبر المسلمون أيضاً عيدي الأضحى والفطر عيدين رسميين، لكن إيران على الرغم من كونها دولة إسلامية، فهي تكتفي بإدخال

 

هذين العيدين ضمن المناسبات الدينية السعيدة إلى جانب سائر المناسبات الدينية الأخرى كميلاد الرسول، بعثة الرسول، وغيرها من المناسبات، والفرق الوحيد الذي يميز هذه الأيام عن غيرها من سائر أيام العام هو أن الحكومة الإيرانية تمنح المواطنين في هذه الأعياد عطلة لمدة يوم واحد، وأن الناس يتبادلون التهنئة في هذه الأيام، وبخلاف ذلك لا يوجد أي فرق آخر بينها وبين الأيام العادية، في حين أن عيد النوروز القديم يتمتع بأهمية ومكانة خاصة لدى الشعب الإيراني، بوصفه العيد الرئيسي عند الإيرانيين، ويختلف هذا العيد اختلافاً ملحوظاً عن سائر الأعياد في البلاد، حيث تأخذ الشركات والإدارات على سبيل المثال عطلة في هذا العيد لمدة خمسة أيام، كما تأخذ المدارس والجامعات عطلة مدة ثلاثة عشر يوماً! 

 ويمكن تناول أهمية عيد النوروز لدى الإيرانيين من عدة جوانب، منها أن هذا العيد يمتد بجذوره في التاريخ القديم لهذا البلد؛ إذ يعود تاريخه إلى عدة قرون قبل الإسلام.
كما أنّ هذا العيد يوافق أول أيام الربيع، ونقطة تحول الطبيعة وعودة الحياة إلى جسد الطبيعة الميت.
إن النوروز أيضاً هو بداية العام الجديد عند الإيرانيين وهو يوافق بداية حياة الطبيعة ويعتبر أساس التقويم الإيراني.

 

يتكون النوروز الذي يوافق يوم الحادي والعشرين من شهر مارس لكل عام، من كلمتين (نو ) بمعنى (جديد ) و (روز ) بمعنى «يوم  أي (اليوم الجديد ) يحتفل بهذا العيد، الذي يعود إلى ثلاثة آلاف عام مضت، اليوم أكثر من 300 مليون نسمة في بلاد مختلفة من بينها إيران، طاجيكستان، آذربيجان، قزاقستان، أفغانستان، آسيا الوسطى، وأجزاء من الهند. وقد أدى هذا إلى أن قامت منظمة الأمم المتحدة بتسجيل هذا العيد في تقويمها باعتباره اليوم العالمي للنوروز، بجذور إيرانية.

 

لقد قامت الجمعية العمومية لمنظمة الأمم المتحدة الثلاثاء الموافق الثالث والعشرين من شهر فبراير العام 0 201بالتصديق على معاهدة يوم الحادى والعشرين من مارس الموافق الأول من شهر «فروردين » كيوم عالمي للنوروز، وذلك في إطار المادة التاسعة والأربعين، وتحت شعار ثقافة السلام، وقامت بتسجيله في تقويمها، وفي أعقاب هذه الخطوة التي حدثت لأول مرة في تاريخ هذه المنظمة، تم الاعتراف رسمياً بعيد النوروز الإيراني مناسبة من المناسبات الدولية.

 

وتم الاحتفال بعيد النوروز عالميًا لأول مرة في عام 1391هجرية ) 2012 م(، وكان ذلك في الفناء العام لمنظمة الأمم المتحدة واليونسكو باستضافة دولة إيران. كما أصدر بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة رسالة تهنئة بهذه المناسبة.

 

ولا تهدف هذه المقالة إلى دراسة تاريخية لهذه المناسبة العالمية، وإنما نريد أن نعرض العادات والتقاليد
المتبعة في عيد النوروز وذلك بالتركيز على إيران.
يقوم الشعب، قبل حوالي الشهر من اقتراب عيد النوروز، بتنظيف المنازل استعداداً لهذه المناسبة السارة، ويعدّون أنفسهم لحلول العام الجديد بغسيل السجاد، والستائر، والأثاث، والأبواب، والنوافذ، وكل ما يحتاج إلى تجديد.
وتقوم بعض الأسر الميسورة مالياً بتجديد المنزل من خلال شراء الأمتعة الجديدة وتغيير ديكورات المنزل، بينما يكتفي أولئك الذين ليست لديهم المقدرة المادية على شراء الأمتعة الجديدة، بإعداد أنفسهم لاستقبال العام الجديد عن طريق الغسيل وإزالة الأتربة وتنظيف الأمتعة. إن إحدى العادات المعروفة لهذا

 

العيد، هو ما يعرف ب (چهارشنبه س _وري)، حيث يقوم الشعب الإيراني بمختلف أقوامه وعروقه في آخر ثلاثاء من العام، بالاحتفال والضجيج، ويكون ذلك مصحوباً بإشعال النيران. على الرغم من أن هذه العادة بقيت من العصور القديمة، أي منذ عصر الديانة الزرادشتية في إيران، إلا أن الشعب يقوم بإشعال النيران في هذه الليلة باعتبار أن النار أحد رموز التطهير، كما يقومون بالقفز من فوقها صائحين "إن إصفراري لک، وإحمرارك لی". في اعتقادهم إنهم بهذا يحرقون الأعمال القبيحة والسيئة للعام الماضي في النار، ويذهبون لاستقبال العام الجديد بدون أية شوائب.

 

ومن العادات والتقاليد المعروفة أيضاً لهذا العيد، شراء الملابس الجديدة، الفاكهة، الحلويات والمكسرات. وقبل عيد النوروز بعدة أيام تتخذ أجواء الشوارع في إيران لوناً جديداً، وعند مرورك على ناصية كل حارة ترى الناس منشغلين بشراء الأغراض الجديدة.

 

وكما أشرنا، فإن جميع الشعوب والأقوام لديها أيام أعياد، وكل شعب يختار حسب ذوقه أحد الأطعمة كطعام ل "ليلة العيد". إن الشعب الإنجليزي على سبيل المثال، يقوم في ليلة عيد الميلاد بطهي "لحم الديك الرومي"، وإن الإيرانيين يطهون في ليلة العام الجديد "أرز الخضروات بالسمك". ويحاول الشعب الإيراني بكل طبقاته أكل السمك في ليلة العيد، وهذه العادة موجودة بين الإيرانيين منذ العصور القديمة.

ولا شك أن أهم خصائص أو مميزات عيد النوروز هي مائدة "هفت سین" )السينات السبع(. إن الفاكهة، المكسرات ، الورود وغيرها من الأشياء تعد ضرورية لجميع موائد الأعياد في جميع بلاد العالم، لكن كل مائدة يكون لها لونها وطابعها الخاص، ومائدة عيد النوروز عند الإيرانيين أيضاً تتمتع بخصائص تتميز بها، وجميع الأسر الإيرانية تقوم قبل بدء العام الجديد بإعداد مائدة السينات السبع. تشتمل هذه المائدة على سبعة أشياء تبدأ في اللغة الفارسية بحرف السين، مثل سير )الثوم(، سماق )السماق(، سركه )الخل(،

 

سيب )التفاح(، سكه )العملة المعدنية(، سبزه )الخضرة( والسنجد )نوع من الفاكهة المجففة توجد في إيران(. إن كل واحدة من هذه السلع السبعة لها دلالة خاصة لدى الإيرانيين، فالتفاح على سبيل المثال يرمز إلى الجمال والصحة، والخضرة__ ترمز إلى النشاط والنمو، والعملة المعدنية ترمز إلى الرزق. إضافة إلى ذلك، فإن جميع موائد السينات السبع تحتوى على البيض الملون، والسمك الأحمر الحي، والمرآة ونسخة من القرآن الكريم. عند اقتراب بدء العام الجديد، يرتدي جميع أفراد الأسرة الملابس الجديدة، ويجلسون حول مائدة السينات السبع، ويتضرعون بهذا الدعاء في آخر لحظات العام: "يا مُقَلِّبَ القُلوبِ والأبصارِ، يا مُدَبِّرَ الليلِ والنهارِ، يا مُحَوِّلَ الحولِ والأحوالِ، حَوِّل حالَنا إلى أحسنِ الحالِ."
وبعد بدء العام الجديد، يتبادل أعضاء الأسرة الأحضان والقبلات والتهنئة بالعام الجديد، ثم تبدأ الزيارات مباشرة، ويذهب الصغار لزيارة الكبار. وعندما تتجول في أيام عيد النوروز في شوارع إيران وحاراتها، سوف ترى أجواء العيد بوضوح؛ فالناس جميعهم في الشوارع والحارات يرتدون الملابس الجديدة. جميع المنازل نظيفة ومرتبة، والشوارع والحارات مغسولة أو مختلطة بالألوان.

 

وفي هذه الأيام يمكن رؤية السعادة الكاملة مرتسمة على وجوه الناس، لكن الأطفال يكونون أكثر سعادة من غيرهم في هذه الأيام، حيث يأخذون "العيدية" من الكبار. إن الكبار عادة ما يعطون الصغار الذين يذهبون إلى منازلهم مقداراً من النقود، وأول سؤال يتبادله الأطفال عندما يتقابلون هو "كم جمعت من نقود "العيدية" حتى الآن؟" يمتد عيد النوروز ثلاثة عشر يوماً، أي أنه يبدأ من اليوم الأول للعام، ويستمر حتى اليوم الثالث عشر من العام الجديد، ويذهب الإيرانيون في اليوم الأخير من العيد إلى الأماكن الطبيعية مثل المتنزهات، الحدائق، الغابات والمناطق الموجودة خارج المدينة ويقضون يوما كاملا في الطبيعة يأكلون المشاوي، وتسمّى هذه المراسم بيوم الطبيعة أو "سيزده به در" باللغة الفارسية. ومن الأعمال الشائعة في هذا الاحتفال أيضاً، صناعة العِقد ، من الأشياء الخضراء، وعلى الرغم من كون هذا العمل يفتقر إلى العقل والمنطق، إلا أن الإيرانيين يعتقدون منذ قديم الزمن أن هذا العمل يكون بمثابة نذر، حيث يقومون بالدعاء أثناء صناعة هذه العقد، ليحقق لهم العام الجديد ما لديهم من أمنيات.

 

وفي كل الأحوال ، فإن النوروز أو "اليوم الجديد" كإحدى العادات والتقاليد القديمة يعد فرصة للإيرانيين لإزالة خلافاتهم جانباً، إذ ينسون الشجار والمشاحنة وتتفتح قلوبهم مع بداية العام الجديد ووصول فصل الربيع.
وكل نوروز وأنتم بألف خير وبركة 
الكاتب: 
علي زائري
© 2024 تطوير وتصميم شركة الشعاع الأزرق لحلول البرمجيات. جميع الحقوق محفوظة