وقفة وفاء للمرحوم عمر الساريسي
الاثنين, ديسمبر 19, 2016

رفاقه في "المكنز" الوطني الأردني يستذكرونه بألم واشتياق

الساريسي رحل ومعه همّ التراثين الأردني والفلسطيني وتفاصيل من الحكاية الشعبية

  • حمزة العكايلة

في الثالث من حزيران العام 2013 غيّب الموت واحدًا من أهمّ رجالات الأدب والتراث الساعين إلى تحقيق وتوثيق التراثين الأردني والفلسطيني، الدكتور عمر الساريسي، ومن قرأ نبأ وفاته استذكر حياته مخلصًا للبحث العلميّ والتّدريس والتأليف، جادًّا و مستقيمًا وصاحب خلق ودين، مثبتًا وجوده على الساحتين الأردنية والفلسطينية باحثًا واستاذًا.

الساريسي المولود في قرية ساريس – القدس عام 1938 حصل على شهادة الدكتوراه في الأدب العباسيّ من القاهرة، وكان مدرّسًا جامعيًّا في الأردن والسعودية والإمارات، وله مؤلّفات في التّراث والأدب والشعر، وكان باحثًا أكاديميًّا في النقد والأدب، وله أبحاث في المأثورات الشعبيّة، وفي الأدب الإسلامي، وكان عضوًا لسنوات في الفريق الوطنيّ للإشراف على تأليف كتب مبحث اللغة العربيّة لمرحلة التعليم الأساسي، وقد صدر له ما يزيد عن خمسة وعشرين كتابًا، بينها أدب الحكاية الشعبية في فلسطين والأردن.

 رفاقه في مشروع المكنز الوطني الأردني، الذي يعد أحد مشاريع وزارة الثقافة، تحدّثوا عنه بألم واشتياق، وافتقدوه في ثنايا الذاكرة والقصّة والحكاية والجدّة، فاعتبروا أنّ الفلكلور الشعبيّ والتراث الأدبيّ العربيّ كان يسري في دمه لأنّه كان يؤمن بأنّ التراث هو هويّة الأمّة وعنوان حضارتها، وكان يلازمه هاجس الخوف على التراث الشعبي الفلسطيني من تجييره إلى تراث المحتل.

 

ويقول الباحث مصطفى الخشمان وهو شاعر وباحث في التراث ومحكّم شعر نبطيّ: "لقد جمعني بالمرحوم الساريسي الاهتمام المشترك بالبحث عن التراث والعمل على إحيائه من خلال كشفه وتدوينه وتوثيقه، وقد استمر هذا العمل سنوات عديدة خبرت خلالها المرحوم بطيب الرفقة وحسن المعشر ومحبته للآخرين ولعمله على السواء،  وكان يستمع أكثر ممّا يتحدّث وينشرح صدره كلّما عثر على جزئيّة من التراث لم يكن قد عرفها، وكان يحسن النّقاش والحوار ويحترم الراي الآخر، ومنذ أن بدأ المرحوم حياته العمليّة كان انحيازه للتراث واضحًا في دراسته وأبحاثه وكتاباته، وقد أمضى حياته في البحث والدراسة والتوثيق ينافح عن تراث أمّته وقضاياها العادلة ويرد على أعداء الأمّة ولصوص التراث ومزوري التاريخ من الصهاينة ومن ناصرهم من مدّعي المعرفة والكتّاب المأجورين، لقد كان اهتمامه بالتراث ذا شقّين: الأول: الاهتمام بتحقيق التراث العربي من خلال دراسته لبعض المصنّفات العربيّة القديمة مثل كتب الراغب الاصفهاني وغيره، والثاني: الاهتمام بالتراث الشعبيّ الفلسطينيّ والتراث الشعبيّ الأردنيّ الفلسطينيّ من خلال بحوثه الكثيرة المنشورة في المجلات التراثيّة المتخصّصة ومؤلفاته كالحكاية الشعبيّة والوعيّ الفلكلوريّ الأردنيّ الفلسطينيّ وغير ذلك".

 

ويضيف الخشمان:  "برز المرحوم في أبحاثه القيمة حول الحكاية الشعبيّة وأقاصيص الأطفال وكان لي شرف مرافقته في عدد من المشروعات الثقافية، منها: حكاية جدّتي للأطفال .. حيث قمنا مع عدد من الزملاء بجمع ما يزيد على 1200 حكاية شعبيّة، بإشراف لجنة عليا أذكر منهم، د هاني العمد وعبد الله رضوان، وطه الهباهبة، ونايف النوايسة، والمرحوم الساريسي، وغيرهم، أما المشروع الثاني فهو مشروع المكنز للتراث الأردني وهو أحد مشاريع وزارة الثقافة وقد تألفت للعمل به لجنة عليا برئاسة د.هاني العمد، وعضوية المرحوم الساريسي ومحمد غوانمة، ونايف النوايسة ومصطفى الخشمان، وما زال العمل جاريًا في هذا الموضوع، بالإضافة إلى الكثير من الموضوعات التراثيّة التي كنّا نناقش أهميتها وننشرها في المجلات المتخصّصة".

 

ويختم الخشمان بالقول: "لا أبالغ إذا قلت إن الفلكلور الشعبي والتراث الأدبيّ العربيّ كان يسري في دمه لأنّه كان يؤمن بأنّ التراث هو هويّة الأمّة وعنوان حضارتها وكان يلازمه هاجس الخوف على التراث الشعبيّ الفلسطينيّ من تجييره إلى تراث العدو المحتل".

 

 

ويقول الباحث التراثي نايف النوايسة: "قبل وفاة الساريسي بأيام كنت وإياه خارجَين من اجتماع في وزارة الثقافة، ولم يكن المصعد صالحًا لنستقلّه إلى الأرض، وكان رحمه الله صائمًا، فقلت له: ننزل الدرج يا دكتور، ما زال فينا للشباب همة. فقال والتعب باديًا عليه: أخي نايف نحن انتهينا، والعاقبة لمن اتّقى. كان المرحوم يعدّ أيّامه، وكأن الموت نصب عينيه، وما هي إلاّ أيّام وليال ويأتيني نبأ وفاته".

 

ويسترسل النوايسة بالقول: "هو الأديب الباحث الدكتور عمر الساريسي الذي عرفته من منتصف السبعينيات، متابعًا لمقالاته وقارئًا لكتبه ومشاركًا في حواراته، شخصيّة ودودة حييّة جُماع ما اشتملت عليه هذه الشخصية هو الدين والأخلاق، والجديّة في البحث، أكاديميّ محترم، ومثقّف مدقّق ذو رأي حصيف، وباحث تراثيّ من الصفّ الأوّل في الأردن وفلسطين والوطن العربيّ، اهتم بموضوعة الحكاية الشعبيّة الفلسطينيّة وحشد لها تمام معرفته في البحث التراثيّ، وديدنه في هذا الأمر خدمة القضية الفلسطينية؛ فالمعركة القائمة مع العدو الصهيوني ليست مقتصرة على السلاح والعسكر وإنما تشمل كلّ سلاح، وأجلّ هذه الأسلحة الكلمة المسؤولة الجادّة، والذي نعيه تمام الوعي أنّ العدو يستخدم في معركته معنا كلّ الوسائل ومنها سعيه الدؤوب لطمس التراث الفلسطينيّ الماديّ وغير الماديّ أو سرقته، وكان المرحوم الساريسي من المثقّفين النابهين الذين استيقنوا ذلك فدخل المعركة غير هيّاب، فضلًا عن ذلك، لاحظ الساريسي أهميّة الكتابة عن المشترك التراثي بين الشعبين الأردنيّ والفلسطينيّ في باب الحكاية، فوثّق ذلك في دراساته ليُظهر من زوايا ثقافية مهمّة التعالق الأخويّ بين الشعبين، وهو بهذا الصنيع يكون قد أغلق الكثير من الثغرات التي يتسلّل منها المغرضون ليفتّوا في عضد الأمّة، ويزرعوا بذور الفتنة والجهالة بين الأجيال خدمة لعدو غاشم أو مسؤول متنفّع".

 

ويضيف النوايسة: " ترك المرحوم الساريسي وراءه نتاجًا ثقافيًّا جادًّا للمكتبة الأردنيّة والعربيّة يتعلّق بالأدب والتراث والمقالة والمقررات الجامعيّة والمناهج المدرسيّة وأدب الأطفال، وعرض جهوده التراثيّة بخمسة كتب في التراث، هي ( الحكاية الشعبية في المجتمع الفلسطيني) التي صدرت طبعته الأولى سنة1980 في بيروت، وطبعتها الثانية في اربد سنة 2004، ودرس فيه بعض الحكايات الشعبيّة وفق منهج بحثّي دقيق. وكتابه (الحكاية الشعبيّة في المجتمع الفلسطيني) الذي صدر في عمان سنة 1985 وحشد فيه عددًا كبيرًا من الحكايات الشعبية الفلسطينية، ويكون بهذا العمل قد خدم التراث الشعبيّ الفلسطينيّ وحفظه من الزوال. وفي كتابه المشترك ( حكايات شعبية في فلسطين والأردن ) الذي صدر سنة 1992 وبيّن فيه قوة اللُّحمة بين الأخوين الأردني والفلسطيني في تراثهم الشعبي المأثور. وتضمن كتابه ( الوعي الفولكلوري في الأردن وفلسطين ) الصادر في 2013 مقدمة، وتمهيدًا بحث فيه ماهية المأثورات الشعبية، وثلاثة فصول؛ اشتمل الفصل الأول على إحدى عشرة مادّة تحدّث فيها الساريسي عن الحكاية الشعبيّة في الأردن وفلسطين هويّة وتأصيلًا، وما تعرّض له تراث الحكاية من افتراءات، وأشار إلى دور الحكاية في المسرح الشعبيّ المكشوف في فلسطين، وخصّص الفصل الثاني لقراءة الكتب التي تناولت بعض البلدات الفلسطينيّة المحتلّة مثل( بئر السبع، بيت محسير، السافرية، زيتا، جماعين، أم الكروم، ساريس، وقديتا صفد) وختم كتابه بنظرات نافذة وفاحصة في مسيرة بعض الباحثين في التراث والإشارة الى بعضٍ من كتبهم أمثال( الجانب التراثي في مسيرة روكس بن زائد العزيزي الثقافية، الوشم لطه الهباهبة، معجم أسماء الأدوات واللوازم في التراث العربي لنايف النوايسة، التراث الشعبي في العقبة لعبدالله كرم المنزلاوي، جهاد أحمد دكور، كتاب قالونيا بوابة القدس الغربيّة لعثمان عسكر، كتاب الحكايات والأساطير في منطقة الخليل للدكتور رشدي الأشهب، الشهيد نوح إبراهيم لنمر حجاب، قراءة في شعر نايف أبو عبيد، كتب ومؤلفون في التراث الشعبي الأردني للدكتور هاني العمد، وأعدّ الساريسي للطباعة كتابًا حمل عنوان ( مقدمة لدراسة المأثورات الشعبية في الأردن وفلسطين).

 

ويختم النوايسة: "هذا الباحث الأكاديميّ الذي أعطى التراث الشعبيّ جلّ اهتمامه اعتمد في منهجه البحثيّ (الدقة في رصد المعلومة وتحليلها، الوعي التامّ بالمناهج البحثيّة التي تُبرز المادّة التراثيّة على النحو الأمثل، ومعايشة كلّ ما له علاقة بالتّراث سواء المنشور منها أم المخبوء في صدور الرواة والإخباريين، وحرص كلّ الحرص في جهوده التراثيّة على الوحدة الثقافيّة بين الأردن وفلسطين، ولم يغب الساريسي مطلقًا عن النشاط الثقافيّ طوال عمره، فكان دائم الاتصال مع المعنيين في هذا الشأن داخل الأردن وخارجه ولم يغيبه عنه إلّا الموت، غفر الله له، وتغمّده بواسع رحمته".

 

أما الأستاذ الدكتور هاني العمد، فيعدّ الساريسي من الباحثين الأكثر التزامًا بقضايا التراث الشعبيّ وقضايا التعليم الثانويّ والأكاديميّ، وهو يسلك في سلك الطبقة الثانية من الباحثين في التراث الشعبيّ في الأردن. أما الطبقة الأولى فكان من رجالها: الأرشمندريت بولص سلمان وخير الدين الزركلي وفرديك بيك باشا وروكس بن زائد العزيزي وفايز الغول وغيرهم. وكان الساريسي واحدًا من الباحثين الأكثر نشاطًا منذ بداية السبعينيات، عندما أصدرت دائرة الثقافة والفنون مجلّة (الفنون الشعبية) عام 1974. ومنذ العدد الأوّل حتّى العدد الثالث عشر الصادر في شباط 1977، كتب الساريسي مقالات تناولت بعض الموضوعات؛ كان أكثرها أهميّة ما كتبه عن الحكايّة الشعبيّة الفلسطينيّة. مما يدلّ على أمرين: الأوّل ارتباطه بالتراب الفلسطينيّ، والثاني متابعة مشروع فايز علي الغول الذي جمع حكايات الشعب الفلسطينيّ وأساطيره، وأصدرها في ثلاثة مجموعات منفصلة".

 

ويقول العمد: " زاملت الساريسي في هيئة تحرير مجلة الفنون الشعبية والكتابة فيها، كما كتب في مجلّة التراث الشعبيّ العراقيّة، فكان من الباحثين القلائل الذي يقدمون الجديد. ويبدون الآراء السّديدة، الأمر الذي جعل من مقالاته مرجعًا لكثير من الباحثين والدّارسين، كما زاملته في كثير من الّلجان التي كانت تُعنى بالتراث الشعبيّ، كمشروع حكاية جدّتي/ أمّي التي أشرفت عليه أمانة عمان الكبرى، وكذلك مشروع ( المكنز) الذي تشرف عليه وزارة الثقافة، ويُعنى بجمع الألفاظ المتداولة وشرحها، وفقًا لموضوعاتها الرئيسيّة والفرعيّة. ويقع هذا المشروع تحت مظلة اتفاقية صون التراث الشعبيّ، بمحاوره الخمسة التي حدّدتها اليونسكو العام 2003 ووافقت على هذه الاتفاقية الحكومة الأردنية عام 2006، وتبنتها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم".

 

ويذكر العمد أنّ "للساريسي مؤلّفات كثيرة أغنت مكتبة التراث الشعبيّ في الأردن وفلسطين والعالم العربيّ، منها: كلمات في المأثورات الشعبيّة، وغيرها... وعلى الرغم من اهتمامه بالتراث الشعبيّ المحكيّ، إلا أنّه كان من أنصار اللغة العربيّة الفصيحة، حتّى إنه دوّن بعض الحكايات باللغة العربية المبسّطة، مع مراعاة تامة لقواعد اللغة العربيّة".

 

ويتابع العمد: "امعانًا فيما يتمتّع به هذا الباحث من روح أكاديميّة، فقد كان عمله الميداني يتّسم بالمتطلبات الأكاديميّة المعروفة. لذلك كان عليه تحديد الظاهرة، ومن ثمّ الأصول والجذور والسمات الإنسانيّة المشتركة لما هو بصدد دراسته، ومن أهم ما قدّم في هذا المجال، الدراسة المقارنة من خلال تقديم حكايات اعتمد علي جمعها من أقطار عربيّة شتّى، من مثل: صعيد مصر وسورية ولبنان وأرياف القدس والعراق، وأخضع ما قام به لمنهج علميّ، وخرج بنتائج دقيقة أهمّها العلاقة بين الناس في فلسطين وارتباطهم بأرضهم. كما اعتنى بالأفراد المبدعين من الشعب، واعتبرهم من أنشط عناصر الروايّة الشعبيّة. لذلك أولى هؤلاء المبدعين جلّ عنايته، سواء أكانوا من الرجال أم النساء، ممّن آتاهم الله موهبة القصّ والحفظ. وقد عاش حياته مخلصًا للبحث العلميّ والتدريس والتأليف، وأفاد منه طلاب المدارس وطلاب الجامعات. وكان جادًّا و مستقيمًّا وصاحب خلق ودين ، واستطاع أن يثبت وجوده على الساحتين الأردنية والفلسطينية باحثًا واستاذًا. وما زال الناس يُلحقونه الثناء الطيب الذي يستحقه".

 

 

 في حالة النقل أو الإقتباس يرجى الإحالة الى المصدر:  مجلة الفنون الشعبية ،العدد 17 لسنة 2014

© 2018 تطوير وتصميم شركة الشعاع الأزرق لحلول البرمجيات. جميع الحقوق محفوظة